صلاح شأن أمّة الإسلام برُجوعها إليه

        نقلا عن مقال بعنوان ـ( لن يصلح شأن الأمّة الإسلاميّة حتّى يُوجّهوا سياستهم شطر الإسلام  )ـ للأستاذ محمّد عبد السّلام القبّاني , والذي نشرته مجلّة الشّهاب في جُزئها الثاني من المجلّد الخامس عشر , الصّادر في غُرّة صفر 1358 هجريّة الموافق ل 23 مارس 1939 للميلاد :

        << ما دامت الشّعوب الإسلاميّة الآن وزُعماءها وقادتها لا يُفكّرون إلاّ في مُصانعة الدّول الأجنبيّة , ومُحاكاتها وتقليدها والاندماج في أوضاعها , فلن تقوم للشّعوب الإسلاميّة قائمة , ولن يرجع لهم عزّ ولا يبلغون مجدا , فإذا أراد زُعماء شعب من الشعوب الإسلاميّة النّهضة والعزّة وقوّة السّلطان فليرجعوا إلى دُستور ربّهم وليرفعوه من المقابر والمآتم وبيئات الضّعفاء والسّائلين الذين يحترفونه إلى منصّة القضاء والحُكم , وإلى مكاتب الوُزراء والأمراء , وإلى منابر البرلمانات , حتّى يكون مصباح الدّولة في سياستها الدّاخليّة والخارجيّة كما كان في عهد نبيّ الإسلام صلّى الله عليه وسلّم وعهد الخلفاء وعهد الدّولة الأمويّة والصّدر الأوّل من الدّولة العبّاسيّة , وكما كان في عهد كلّ دولة قامت على أسُسه وقوانينه وارتقت به وعظُم شأنها وملأ صيتُها الخافقين >> .

وهم في فهم قول الله تعالى : ففرّوا إلى الله

         نقلا عن مقال بعنوان ـ( الفرار إلى الله ــ مجالس التّذكير ــ )ـ للأستاذ العلاّمة عبد الحميد بن باديس , والذي نشرته مجلّة الشّهاب في جُزئها الأوّل من المجلّد الخامس عشر , الصّادر يوم الثلاثاء غُرّة محرّم 1358 هجريّة الموافق ل 21 فيفري 1939 للميلاد :

       << تنبيه على وهم : ليس الفرار من الأمراض بمُعالجتها ومن المصائب بمُقاومتها فرارا من الله لأنّ الأمراض هو قدّرها والأدوية هو وضعها ودعا إلى استعمالها والتعالج بها وكذلك المصائب وما شرع من أسباب مُقاومتها فكلّها منه بقدَره والإنسان مأمور منه بأن يُعالج ويُقاوم فما فرّ من قدَره إلاّ إلى قدَره ولهذا لمّا قال أبو عُبيدة لعُمر رضي الله عنهما في قصّة الوباء : أفرارا من قدر الله يا عُمر ؟ قال عُمر : نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله >> وفي الحقيقة كان الفرار من شرّ في مخلوقٍ إلى الله يرجو منه الخير في غيره >> .

من مفاخر الأحنف بن قيس

        نقلا عن مقال بعُنوان ـ( مِصر عربيّة )ـ بقلم الأستاذ عليّ الجندي , والذي نشرته جريدة الصّراط السّويّ في عددها السّادس الصّادر يوم الاثنين 4 رجب 1352 هجريّة المُوافق لـ 23 أكتوبر 1933 للميلاد :

        << وقد كان من مفاخر الأحنف بن قيس أنّه إذا غضب تغضب له مائة ألف سيف لا يسألونه لم غضب ؟ ! >> .

نُعيمان بن عمرو النّجاري الأنصاري رضي الله عنه

رجال السّلف ونساؤه : وكلّ خير في اتّباع من سلف * وكلّ شرّ في ابتداع من خلف

خير القرون قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم

نُعيمان بن عمرو النّجاري الأنصاري رضي الله عنه ([1])

سابقته ومُشاهدته :

        شهد العقبة الأخيرة , وشهد بدرا وأُحدا والخندق والمشاهد كلّها .

ظُرفُه ونوادرُه :

        كان ظريفا كثير الدّعابة والمُزاح حتّى يبلُغ به ذلك إلى النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .

        كان لا يدخُلُ المدينة طُرفة إلاّ جاء بها إلى النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فيقول ها أهديتُه لك , فإذا جاء صاحبُها يطلب الثّمن أحضره إلى النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال أعط هذا ثمن متاعه , فيقول صلّى الله عليه وآله وسلّم أوَلم تُهدِه لي , فيقول إنّه والله لم يكن عندي ثمنه ولقد أحببت أن تأكله , فيضحك صلّى الله عليه وآله وسلّم ويأمر لصاحبه بثمنه .

        وخرج مرّة مع أبي بكر في تجارة إلى بُصرى ومعهما سُويبيط ابن حرملة البدري , وكان سُويبيط مُتولّيا على الزّاد فجاء نُعيمان فقال أطعمني , فقال لا حتّى يجيء أبو بكر , فقال : لأُغيظنّك , فذهب إلى قوم ممّن جلبوا إبلا إلى السّوق فقال لهم : ألا تبتاعون منّي غُلاما عربيّا فارها وهو ذو لسان , ولعلّه يقول لكم أنا حرّ فإن كُنتم تتركونه لذلك فدعوه من الآن ولا تُفسدوا عليّ غُلامي , فقالوا : بل نبتاعه منك بعشر قلائص , فأقبل بها يسوقُها وأقبل بالقوم , حتّى عقلها ثمّ قال : دونكم هو هذا , فقال القوم لسُويبيط : قد اشتريناك من سيّدك , فقال : هو كاذب أنا رجل حرّ , قالوا : قد أخبرنا خبرك , وطرحوا الحبال في رقبته وذهبوا به , وجاء أبو بكر وأصحابٌ له فأدركوا القوم وردّوا إليهم القلائص وعرّفوهم الحقيقة , فضحك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه رضي الله عنهم من هذه النّادرة مدّة عندما يتذكّرونها .

        وقدم أعرابيّ فدخل على النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأناخ ناقته بالفناء , فقال بعض الصّحابة للنّعيمان لو عقرتها فأكلناها فإنّا قد قرمنا إلى اللّحم , ففعل فخرج الأعرابيّ فصاح , واعقراه يا محمّد , فخرج النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : من فعل هذا ؟ فقال النّعيمان , فاتّبعه يسأل عنه حتّى وجده قد دخل دار ضباعة بنت الزّبير واستخفى في سرب لها وجعل عليه السّعف والجريد , فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول : ما رأيته يا رسول الله ويُشير بإصبعه حيث هو , فأخرجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد تغيّر وجهه بالسّعف الذي سقط عليه وقال له ما حملك على ما صنعت ؟ قال : الذين دلّوك عليّ يا رسول الله هم الذين أمروني , فجعل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يمسح عن وجهه ويضحك ثمّ غرمها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم للأعرابيّ .

الإسلام دين السّماحة والسّجاحة :

        هؤلاء هم خيار الأمّة , وهم أهل الصّدق والجدّ , وذوو القوّة في الحقّ والصّلابة في العقيدة , وهكذا كانوا أهل سماحة وسُهولة وسجاحة ولين في الحالة الاعتياديّة , حتّى يُنفق بينهم مثل هذا الظُّرف والمزح والدّعابة , فإذا الجدّ فهم هم , فالتزمّت والعبوس خُشونة ويبوسة في الخلقة , أو تكلّف ورياء , وحسبك بهما من شرّين , وقد كان النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يمزح ولا يقول إلاّ حقّا فلا يبلغ المُزاح بكبار النّاس إلى ما بلغ إليه نُعيمان ولكن لا تضيق أخلاقهم بمثله .

نَقصٌ رجح به الكمال :

        كان نُعيمان رجُلا صالحا وكان يُصيب من الشّراب فيُجاء به إلى النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فيُقيم عليه الحدّ , فقال له رجل مرّة : لعنه , فقال النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : لا تفعل إنّه يُحبّ الله ورسوله .

        قد كان الحدّ له طُهرة , وكانت التّوبة له مرجُوّة , وكان عنده من محبّة الله ورسوله ما رجح بذلك النّقص والبليّة , ولعن المُعيّن لا يجوز .

        أتقولُ كيف يُحبّ الله ورسوله ويشرب الخمر ؟ فنقول : قد برهن على صدق حُبّه لله ورسوله ببذله نفسه في تلك المشاهد العظيمة التّي شهدها والجود بالنّفس أقصى غاية الجود , وأيّ دليل أدلّ على صدق الحبّ من بذل النّفس ؟ وأين تقع عبادة ذلك المُتعبّد الجثّامة المُنزوي الحريص على الحياة , من ذلك المُسلم العادي الذي نصب نفسه هدفا للبلايا والمحن , واقتحم أسباب الهلاك في سبيل الله على هنات فيه ؟

        هذا ــ والله ــ أنفع لعباد الله , وأصدق حُبّا لله , وأقرب إلى رضوانه وأدنى إلى المتاب عليه , لأنّه من الذين باعوا لله أنفسهم وأموالهم , فاستبشَروا ببيعهم الذي بايعوا به (<< ذلك هو الفوز العظيم >>) .  

    



 :مجلّة الشّهاب الجُزء الثالث المُجلّد الخامس عشر .( [1] (

الصفحة 2 من 41