بيان وتذكير من المجلس الإداري لجمعيّة العلماء المُسلمين الجزائريين إلى الأمّة الإسلاميّة الجزائريّة

إرسال إلى صديق طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

بيان وتذكير من المجلس الإداري لجمعيّة العلماء المُسلمين الجزائريين ([1])

إلى الأمّة الإسلاميّة الجزائريّة

( ممّا قرّر مجلس إدارة الجمعيّة الذي انعقد في آخر رجب الماضي إصدار هذا البيان )

        إنّ جمعيّة العلماء المُسلمين الجزائريين تأسّست لأغراض شريفة علمها الله وعلمها المُنصفون من عباده وسلكت للوُصول إليها وسائل معقولة , لا تُصادم قانونا ولا تضُرّ هيئة من النّاس وإنّما هي غايات علميّة دينيّة تتوسّل إليها بوسائل علميّة دينيّة .

        لا يشُكّ مُفكّر مهما كان بسيط التّفكير أنّ المُسلم الجزائري انحطّ عن مقامه اللاّئق به كمُسلم جزائري , فإذا نظر بعين التّعقّل واستعمل الرّويّة عرف أنّ هذا المُسلم ما أصيب إلاّ من قبل هذه الضّلالات التّي لابست عقائده فأزاغتها واتّصلت بفطرته فأفسدتها وطغت على أخلاقه الفاضلة فجرفتها ودبّت إلى مكمن اليقين منه فابتلته بخواصّها وما خواصّ هذه الضّلالات إلاّ الوسواس والوهم والذبذبة , فجمعيّة العلماء المُسلمين الجزائريين عاهدت الله ــ مُستعينة به وحده ــ على أن تُعالج المُسلم الجزائري من هذه الأمراض وأن تعمل لما يرفع شأنه من ناحية دينه بتطهير عقيدته أوّلاّ , وأحكام عبادته ثانيّا , وتصحيح مُعاملته ثالثا وتقويم أخلاقه رابعا , ــ مُسترشدة في ذلك كلّه بما أرشد إليه كتاب الله وسُنّة نبيّه الصّحيحة وسيرة السّلف الصّالح من هذه الأمّة وفُهوم الأئمّة العلماء منها جاريّة على منهاج القُرآن في الدّعوة إلى سبيل الله بالحُسنى عالمة أنّها إذ تدعو إنّما تدعو المُسلم المُنحرف عن الجادّة إلى الرّجوع إليها والاستقامة عليها , وتدعو إلى حقّ أضاعه أهله وتدلّهم على وسائل استرجاعه , وتدعو إلى قديم من الدّين أساسه الوحي الصّادق والرّأي المعصوم لا إلى جديد من مُحدثات الآراء ومُضلاّت الأهواء .

        قطعت الجمعيّة سنتين ونصفا من عُمرها لم تضع من لحظة إلاّ في إعداد وسيلة أو تحقيق غاية وهي حين تلتفت إلى الماضي تشكُر الله وتُمجّدُه على ما هيّأ لها من المعونة والتّوفيق وعلى ما أنعم به عليها من تيسير المقاصد الكثيرة في الزّمن القليل وما الفضل إلاّ من عند الله , وإذا كانت تعتقد أنّ السّبب في انحطاط المُسلم الجزائري هو ما ذكرناه فهي كذلك تعتقد أنّ سبب هذا السّبب هو سُكوت أكثر عُلماء الأعصُر القريبة حيث يجب النّطق وإقرارهم لما يجب إنكاره وتساهلهم حيث يجب التّشدّد وإهمالهم لوظيفتهم الجليلة وهي حراسة الحقائق أن تعتدي عليها الأوهام , وتضييعهم لعهد الله الذي أخذه على العُلماء وهُو أن يُبيّنوا الحقّ ولا يكتُموه وإنّ سُكوتهم لا يكون حُجّة على من وفقه الله إلى النّطق بكلمة الحقّ إذا كان سُكوتهم عن الباطل من الباطل الذي يجب إنكاره ولا تقوم به حُجّة .

        وكانت تعتقد أنّ ما تدعو إليه من الرّجوع إلى هداية الدّين وحقائقه وآدابه ليس ممّا يرتاب أو يُنازع فيه من أوتي حظّا من العلم ولو قليلا إلاّ إذا مسخ العلم وأصبح من قواعده عدم الفرق بين الحقّ الثّابت بالدّليل وبين الباطل المهدوم بالدّليل .

        ولكنّ الله لحكمة يعلمُها أرى الجمعيّة أنّها إن كانت تُدافع فإنّ في النّاس من يدفعه , وإذا كانت تهدم الباطل فإنّ في الخلق من يبني له المنار ويرفعه , حكمة  من الله شهدنا من آثارها تثبيت المُحقين وشدّ عزائمهم وتسديد خُطاهم وتقوية البواعث فيهم .

        مضت الجمعيّة في منهاجها مُعتصمة بالله واثقة بما وعد به عباده المُتّقين من حُسن العاقبة ولم يصُدّها ما لقيته في سبيلها من عقبات وعراقيل ولا ما رُميت به من القال والقيل ولم يُثنها عن عزمها ظُنون تُرق وتُهم تُلصق , ولو كان ما يُقابلها به خُصومها حقا لقبلته وانقادت إليه ولو كان علما لردّته بالعلم ولو كان أدبا لوجدوها أرعى له وأوصل لرحمه ولكنّه نصب للباطل ودُعاء إليه وإقرار وإلزام وإذا ساء المُسلمين أن يُوجد في المُنتسبين إلى الإسلام وإلى عُلومه من يقول ( إنّ الرّجوع إلى الكتاب والسّنّة ضلال مُبين ) فليفرحوا فقد أرغم الله هذا القائل بوُجود طائفة من هذه الأمّة رجعت إلى الكتاب والسّنّة فكان رُجوعها هداية إذ كان مرجعها هداية وهي تدعو الأمّة إلى أن تهتدي بتلك الهداية ولا يرغم الله إلاّ هاتيك الأنوف .

        والجمعيّة تُعلن للأمّة وتُجدّد لها عهد الله أنّها ما وهمت في الحقّ منذ تبين لها وأنّ دعوتها محدودة بحدود العلم والدّين وأنّ لسان هذه الدّعوة هو دروس أعضائها ومُحاضراتهم وكتاباتهم وأنّها في جميع ذلك تأتي الأمّة من طريق الإرشاد والتّذكير والإقناع لا من طريق المُشادّة والمُعاسرة والإكراه وأنّها داعية وحدة في الحقّ لا اختلاف على الباطل وأنّها لا تحمل حقدا ولا ضغينة لشخص ولا لهيئة وأنّها تحترم القوانين والأوضاع وتدعو إلى احترامها واحترام القائمين عليها وأنّها لا تُعادي أحدا لشخصه إلاّ ما كان من قبل البُغض في الله وهو أدب دينيّ له حكمته وله آثاره وإنّما تُنكر ما أنكره الدّين من الابتداع والإحداث في الدّين وتبيين سوء أثر البدع والمُحدثات في الأمّة , ولو كان ما نحنُ فيه من قبل المبادئ التّي مرجعُها إلى الفكر لكانت الجمعيّة أولى النّاس باحترام الأفكار , ولكنّه دين الله ولا قول في دين الله إلاّ لله .

        وإنّ ما ينسبونه للجمعيّة من الشّدّة هو ــ على نُدرته ــ شيء جرّه الجدال في واضح لا جدال فيه , وإنّ ما ينسبونه لها من جرح العواطف ومسّ الشّخصيّات سببه أنّ الجمعيّة تُنكر البدعة على عُمومها فيظُنّ المُبتدع أنّه المقصود بذلك الإنكار وما ذنب الجمعيّة في ذلك إلاّ مثل أن يقرأ على جمع فيهم سارق , (<< والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما . . . >>) .

        وفي الختام تُعلن الجمعيّة أنّها ليست ضدّا لأحد وإنّما هي ضدّ البدعة , وأنّها لا تدعو إلى حقّ لها تستطيع التّنازل عن بعضه أو كلّه وإنّما هي تدعو إلى حقّ الله , فمن عرف الحقّ واتّبعه فهو أخٌ نُحبّه في الله ونُهنّيه بما وُفق إليه , ومن أنكر أو استكبر فهو أخٌ نُبغض منه تلك الصّفة الذميمة ونرجو له الهداية ونتمنّى له الاستقامة وصلاح الحال ولا نيأس من فيئته إلى الحقّ , والنّاس في التّوفيق كالنّاس في الوُجود منهم السّابق ومنهم اللاّحق ومنهم بين ذلك .

(<< ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مُقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير>>) .

عن المجلس الإداري , الرّئيس : عبد الحميد بنُ باديس



: جريدة الصّراط السّويّ العدد الحادي عشر([1])