لأمراض الفاشية في الإسلام، رأسها الجهل، وذروة سنامها التقليد، وزمامها التعصب

إرسال إلى صديق طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 0
سيئجيد 

رسائل ومقالات

نقلا عن مقال بعنوان {الأمراض الفاشية في الإسلام (2)، رأسها الجهل، وذروة سنامها التقليد، وزمامها التعصب} للأستاذ عمر بن البسكري / مدرس بمدرسة الإخاء ببسكرة، والذي نشرته مجلة الشهاب في جزئها الأول من المجلد العاشر، الصادر في غرّة رمضان 1352ه ل جانفي 1934م:

إلى من ذكّر بآيات ربه ولم يعرض عنها، إلى من يلتقط الحكمة حيث وجدها، إلى المسلم الحنيف الذي يهمه علاج قلبه، والإخبات والإنابة إلى ربه. أقدّم لك هذه الذكرى لتكون لي ولك بها عند الله ذكرى: إنّ أمّتنا اليوم لفي جهل كبير وخطإ كثير شاب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، جهل بأصول الدين وقواعده، جهل بمقتضياته ومقاصده وجهل بشؤون النبي صلى الله عليه وسلم وسننه القولية والعملية، جهل بمذاهب أئمتنا رضي الله عنهم الصحيحة المرضية. فلهذا وصل بنا الحال إلى ما ترى: هوى متّبع، وشحٌّ مطاع، وعجاب كل ذي رأي برأيه. وعاد الدّين غريبا كما بدأ، غريبا محدقا بجيوش الفتك والردى، فمن طوائف إلحادية تريد تغييره وتحويله إلى طوائف تبشيرية تريد إزعاجه وتهويله ،إلى علماء سوء وجمود شادّين وثاقه وتكبيله، وكلهم عن بكرة أبيهم يريدون اكتساحه والقضاء عليه وهيهات أن يبلغ أحد منهم المراد والطائفة القائمة على الحق لهم بالمرصاد، لا يسألون عليه أجرا، ولا يكلفون الأمة أن تتبع زيدا أو عمرا. إلاّ أئمة فطاحل أبرار، فضلهم كالشمس في رابعة النهار من كونهم أدلّاء على الحق موصلين إليه، لا مشرعيه ولا منتحليه.

مثال جهلنا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والعملية

إنّنا كلما طرق مسمعنا لفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلّا نظنّ ذلك حجة في الدين مع أنّهم نصوا أنّ مجرد رفع الحديث ليس كافيا في الاحتجاج، لاحتمال ضعفه، أو نسخه، أو وضعه أو أنّه من قبيل الفتاوى الشخصية التي جعلها الجمهور محلّ اجتهاد وإن احتج بها بعض جهابذة العلم والسداد وكذلك قول الصحابي إذا انفرد به وكان أكثر الصحابة رضي الله عنهم على خلافه.

كما أنّنا كلما نقل إلينا حديث من السنن العملية نظنّ ذلك حجة من الحجج القاطعة.

مثال جهلنا بأصول الدّين وقواعده

فمن ذلك اعتقاد بعض أنّ لنا  الدار الآخرة، ولغيرنا الدنيا، فلهذا يندر في خلقنا من يعمل للدين والدنيا معًا كما كان سلفنا الصالح ،فتكثر فينا طوائف التبتل والانقطاع الذي هو دين النصرانية (إلا القرار أيام الفتنة كما قدمنا ذلك) ويكثر فينا طوائف الماديات والاسترسال مع الشهوات الذي هو دين اليهودية. مع أنّ ديننا  دين الدنيا والآخرة معا، دين الروح والجسد، دين العزة والسؤدد، دين سعادة الأبد، ففي الصحيح أنّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يتّجرون ويعملون في نخيلهم وفي الصحيح أيضا: {ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلاّ كان له به صدقة} وفي الحديث أيضا: {إنّ الرجل ليؤجر حتى على اللقمة يجعلها في فيّ امرأته} ومن حديث صحيح: {من بنا بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جار ما انتفع به من خلق الله تبارك وتعالى} الحديث بتمامه رواه أحمد. وبما أجمعوا عليه أنّ القيام بالحرف المهمّة فرض كفاية، وأنّ المباح ينقلب طاعة بالنية الصالحة ومن ذلك دخول امرأة النار في هرّة، ودخول رجل الجنة في كلب، وأنّ في كل ذي كبد رطبة أجرا. كل هذا صحيح في الحديث.

مثال جهلنا بمقتضياته ومقاصده

من ذلك مسألة التوكل التي اختلط فيها على كثيرين الحابل بالنابل. ظنّ الكثير ولا زالوا يظنون أنّ اتخاذ الأسباب ينافي التوكل وليس الأمر كذلك بل الإنسان مطالب بالعمل ما في قدرته وطاقته ومطالب بالتوكل على ربه في ما فوق قدرته وطاقته أي الإنسان : فالزراعي مثلا مأمور ببذر الحب ، وحرث الأرض لأنهما في طاقته ومأمور بالتوكل على الله في الإنبات والحفظ من الجوائح لأنهما ليستا في طاقته وقدرته أي الإنسان ، ومما يوضح المقام ما روي من قول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الناقة في حديث رواه الترمذي { اعقلها وتوكل على الله } أي اعقلها لأنّ العقل في قدرتك وتوكل على الله في حفظها من الأمر السماوي وغيره مما لا دخل للمخلوق فيه .

مثال جهلنا بمذاهب الأئمة

اعتقادنا أنّ كل ما دوَّن في مذهب مالك رضي الله عنه من الفروع مثلا أنّه مذهبه وليس الأمر كذلك بل في مذهبه ما يتبرأ الله ورسوله والمؤمنون من كلّ ما ألصقه به بعض المتأخرين أمّا مذهبه الأصلي ومذهب أصحابه الذين أخذوا عنه مشافهة فهو ليله كنهاره (رحمك الله من إمام يا لو ترى ما حلّ بمذهبك بعدك وينسبونه إليك من غير خجل يا إمام السنة، ويا حبر الأمة).

وكذلك اعتقادنا أنّه لا يجوز الخروج من مذهب إلى مذهب إذا استبان لنا الدليل، وكذلك اعتقادنا انحصار الدين في المذاهب الأربعة دون غيرها كمذهب الظاهرية أتباع داوود الظاهري رضي الله عنه ومذهب الزيدية أتباع زيد بن زين العابدين وغيرهما من مذاهب آل البيت عليهم السلام. وأمّا الفتاوى من الصحاح كالبخاري ومسلم فهي عندنا ذنب لا يغفر، وجناية لا تكفر، وإذا قرأناها فإنما قرأناها على سبيل التبرك، اللهم لطفا لطفا بعبادك.

{وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا}

(الآية 85/الإسراء)

عجز العلم عن اكتناه حقائق الأشياء

 

مضى الزمن والناس يظنون أنّ العلم قد اكتشف حقائق هذا الوجود وقد اكتنه كنه المادة وما بقي له شيء مما يعجز عنه، حتى خرج- أوكاد- بهذه العقيدة جماعات من أجزاء العلماء إلى الإلحاد. أمّا اليوم فقد اعترف العلم نفسه بعجزه عن إدراك كنه أجلى الحقائق المادية وأشهرها، وأنّه يرى فيها ما لابد سبيلا لتعليله بما يشاهده منها. وهذا يضطره إلى الاعتراف بوجود شيء آخر غيرها هو الذي يجعلها على ما هي عليه في تركيبها وتحليلها -ذلك هو الله - وقد كتب الأستاذ فريد وجدي مقالا في مجلة {الهلال} الكبرى تحت عنوان (تغلب العلم على المذهب المادي) فاجتنينا منه ما فيه من أقوال أساطين العلماء الدالة على ما ذكرناه:

(ومن حسن الحظ أنّه لا شيء أحسن ملاءمة للترقي العلمي من هذه الفوضى، فالوجود مفعم بمجهولات لا نراها، والحجاب يحجبها عنّا منسوج غالبا من الآراء الضالّة أو الناقصة التي توجبها علينا تقاليد العلم الرسمي، فلا يمكن عمل خطوة للأمام إلّا بعد تفكك عرى الآراء السابقة، والأشدّ خطرا على تقدم العقل الإنساني هو تقديم الظنّيات للقرّاء لابسة حلل الحقائق المقررة على نحو ما تفعله كتب التسليم، والتطاول لوضع تخييم للعلم ورسم حدود لما يمكن معرفته كما كان يودّ ذلك (أجوست كومت). انتهى من كلام جوستاف لوبون.

وقال العلامة الجليل الأستاذ (شارل ربشبه) المدرس بجامعة الطبّ الباريزية والعضو بمجمّع العلماء الفرنسي من مقدمة كتبها لكتاب ((الظواهر النفسية)) للدكتور ماكسويل، قال:

(لماذا لا نصرح بصوت جهوري بأنّ كل هذا العلم الذي نفخر به إلى هذا الحد ليس في حقيقته إلّا إدراكا لظواهر الأشياء. وأمّا حقائقها فتفلت منّا ولا تقع تحت مداركنا. والطبيعة الصحيحة للنواميس التي تقود المادة الحيّة والجامدة تتعالى عن أن تلم بها عقولنا. مثال ذلك أنّنا إذا ألقينا حجرا في الهواء نراه يسقط إلى الأرض. فلماذا سقط؟ يجيبنا (نيوتن) سقط بجذب الأرض إياه جذبا مناسبا لكتلته وللمسافة التي سقط منها، ولكن ما هو هذا الناموس إن لم يكن مجرّد تحصيل حاصل، وإلّا فهل فهم أحد تلك الذبذبة الجاذبية التي تجعل الحجر يسقط على الأرض؟ إنّ ظاهرة سقوط حجر على الأرض من الشيوع بحيث لا تدهشنا، ولكن الواقع أنه لا يوجد عقل إنساني يفهم ذلك، إنّ هذه الظاهرة عاديّة وعامّة ومقبولة ولكنّها غير مفهومة ككلّ ظواهر الطبيعة بغير استثناء (تأمل).

)نرى البيضة تلقح فتصبح جنينا ، ونرانا نصف أدوار هذه الظاهرة ونحن بين مخطئين ومصيبين ، ولكن هل فهمنا رغما عن وصفنا الدقيق لها سرّ ذلك التحول الذي يحدث في البروتوبلاسما الخلوية فيقلبها إلى كائن حي عظيم ؟ وبأي معجزة تحدث تلك التجزؤات؟ ولماذا تجتمع تلك التحببات هناك؟ ولماذا تتهادم هناك لتعيد تكونها في مكان آخر؟

(إنّنا نعيش في وسط ظواهر تتوالى حولنا ولا نفهم سر واحدة منها فهما يليق بدرجتها، حتى إن أكثرها سذاجة لا يزال سرّا من الأسرار المحجوبة كلّ الإحجاب، فما معنى اتحاد الإد روجين بالأكسجين؟ ومن الذي استطاع أن يفهم ولو مرّة واحدة معنى هذا الاتحاد، وهو يفضي إلى إبطال خواص الجسمين المتحدين وإيجاد جسم ثالث مخالف للأولين كل المخالفة؟ إنّ العلماء لم يتفقوا للآن حتى على طبيعة الجوهر الفرد الذي يوصف بأنّه غير قابل للوزن وهو مع ذلك يصير قابلا له متى اجتمع عدد كبير منه.

(فلأولى بالعالم الحق أن يكون متواضعا وجريئا في آن واحد، متواضعا لأنّ علومنا ضئيلة وجريئا لأنّ مجال العوالم المجهولة مفتوح أمامه).

وقال العلامة الكبير (وليم كروكس) من أعضاء المجمع العلمي الملكي الإنجليزي من خطبة له وقد أسندت إليه رئاسة هذا المجمّع كما ورد في صفحة 8 من مجموع خطبه: (من بين جميع الصفات التي عاودتني في مباحثي النفسية وذلّلت طرق اكتشافاتي الطبيعية - وكانت تلك الاكتشافات أحيانا غير منتظرة - قلت من بين تلك الصفات عندي: اعتقادي الراسخ بجهلي وأكثر الذين يدرسون الطبيعة يستحيل أمرهم عاجلا أو آجلا إلى إهمالهم الكلي لجانب عظيم من رأس مالهم العلمي المزعوم، لانّهم يرون أنّ رأس مالهم هذا وهمي محض).